الاثنين، 27 يناير 2014

تحقيق معنى النبي الأمي




تحقيق معنى النبي الأمي
كتبه طارق الحمودي

مناقشة للأستاذ جمال السيد درة في مقاله
(النبي الأمي, حقيقة المعنى السائد وإعجاز القرآن)



بسم الله الرحمن الرحيم
منذ أن تفتحت عيون الفهم عندنا ونحن نعتقد أن معنى الأمية الموصوف بها نبينا صلى الله عليه وسلم أمية الكتابة والقراءة, على أنها معجزة نبوية تمنع المبطلين من دعوى تأليف النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن والوقوف عند ربانية مصدره المؤسسة للحجة الرسالية الإسلامية, ولم  نكن نعتقد أن إجماع العلماء على معنى الأمي كان عن تقليد ومخاطرة, بل كنا نؤمن أن ما ذهبوا إليه هو ما تقتضيه اللغة العربية وما تؤكده السياقات والقرائن المصاحبة للنصوص المؤسسة مجتمعة متكاملة في هذا الباب, والحمد لله رب العالمين.
يلفت نظر المتتبع للكتابات الجديدة والمقالات الموسومة بالتجديد الفكري - زعموا - أن التسرع والمغامرة سمة كاشفة لازمة, ومن ذلك محاولة الأستاذ جمال السيد درة وهو كاتب لا أعرفه شخصيا لكنني وقفت له على هذه المغامرة العجيبة.
اختار الكاتب أن تكون المنطقة الفكرية التي تجري فيها أحداث المغامرة مجالا يخص النبوة والإعجاز, وهو تحقيق معنى الأمية التي وصف بها النبي صلى الله عليه وسلم في الوحيين, وقد ذهب الكاتب إلى أن معنى (النبي الأمي) (النبي العربي) في مقابل أهل الكتاب, وأورد ما حاول به التأسيس النصي واللغوي لذلك, واستجلب معلومات ظن في وجهة نظره أنها أصل مؤسس أو مؤكد مؤنس لاختياره, وسأذكر ذلك وأناقشه مناقشة علمية مستوفية للشروط الأدبية المناسبة, إذ أبدى الكاتب في طرحه أدبا واحتراما لمخالفه, وعرضه معرض التجرد والنصيحة,ولذلك يستحق مني المعاملة بالمثل مع الاحترام اللازم والتقدير.
استبعد الكاتب أن يكون معنى الأمية النبوية أو الأمية العربية عدم القراءة والكتابة , ورجح أن يكون المعنى (من ليس من أهل الكتاب) واحتج بقوله تعالى (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ) وقال: [قسمت الآية الناس إلى قسمين الأول (الذين أوتوا الكتاب)، والقسم الثاني (الأميين), أي أن الأميين هم  (من هم غير الذين أوتوا الكتاب)] ثم أردف ذلك بكون اليهود يستعملون هذا المصطلح للدلالة على غيرهم ممن لم يؤتوا كتابا مثل كلمات(الأمم – الأمميون – الأممي) في نصوصهم التراثية, قاصدا ممثالة المصطلح القرآني(الأمي) في مثل قوله تعالى (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) وقال : [ فقولهم ليس علينا في الأميين سبيل لا يمكن أن تفهم بأنها تعني ليس لنا على من لا يعرف القراءة والكتابة سبيل، أو ليس لنا على العرب سبيل؛ لأنهم كانوا يتعاملون مع أمم كثيرة غير العرب] وحرص الكاتب على أن لا يفرغ المصطلح من دلالته الإعجازية فقال: [واستخدام القرآن الكريم كلمة (أميين) هو تعبير معجز يؤكد للمشككين، بأن القرآن نزل من عند الله تعالى، بدليل أن هذا التعبير المتعارف عليه بين أهل الكتاب لم يكن معروفا للنبي ولا لقومه ولا للمفسرين في القرون الأولى للإسلام] ثم نصح الكاتب الهيئات العلمية اللغوية باستدراك المعنى المتوارث وإعادة النظر فيه. هذا خلاصة ما عرضه الكاتب والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

يغفل كثير من أمثال الأستاذ جمال عن شرط أساس في أمثال هذا النوع من البحوث المصطلحية, وهو شرط الاستقراء, فالحريص على التدقيق والتحقيق يؤكد على ضرورة الاستقراء الجمعي ثم التحليلي من المظان المعروفة المتوفرة, وأظن أن الكاتب خانه تحقيق الشرط فضلا عن استيفائه.
سنبدأ أولا بالجواب على سؤال مبدئي وهو: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقرأ ولا يكتب؟
والجواب أن الله تعالى قال فيه: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) العنكبوت. والآية ظاهرة في وصف النبي صلى الله عليه وسلم بعدم القراءة والكتابة معا,ولذلك اتفق المفسرون وأهل اللغة منهم خاصة على ذلك, فروى الطبري في الجامع عن قتادة قال:( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ) قال: كان نبي الله لا يقرأ كتابا قبله، ولا يخطه بيمينه.

وقال ابن كثير : (أي: قد لبثت في قومك - يا محمد -ومن قبل أن تأتي بهذا القرآن عُمرا لا تقرأ كتابا ولا تحسن الكتابة، بل كل أحد من قومك وغيرهم يعرف أنك رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب)

قال الطاهر ابن عاشور : ومعنى  (ما كنت تتلو من قبله من كتاب) أنك لم تكن تقرأ كتابا حتى يقول أحد : هذا القرآن الذي جاء به هو مما كان يتلوه من قبل .و (لا تخطه) أي لا تكتب كتابا ولو كنت لا تتلوه ، فالمقصود نفي حالتي التعلم ، وهما التعلم بالقراءة والتعلم بالكتابة استقصاء في تحقيق وصف الأمية فإن الذي يحفظ كتابا ولا يعرف يكتب لا يعد أميا كالعلماء العمي ، والذي يستطيع أن يكتب ما يلقى إليه ولا يحفظ علما لا يعد أميا مثل النساخ .
فثبت بهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف القراءة ولا الكتابة

قد يقول قائل : ليس هذا موضع الخلاف, بل موضع الخلاف بيان معنى (الأمي), والجواب أنه لا يعرف في اللغة أن يكون معنى الأمي غير الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة, وأما الزعم بأن معنى الأمي أي العربي غير أهل الكتاب فالجواب عليه في قوله تعالى : (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78) (البقرة) فوصف الله تعالى بعض أهل الكتاب بالأمية, فلم يبق للعربي اختصاص بالوصف إلا تغليبا.وعلى هذا قول العلماء المحققين.فروى الطبري عن إبراهيم قال: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب)، قال: منهم من لا يحسن أن يكتب.
وروى عن ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:(ومنهم أميون) قال: أميون لا يقرءون الكتاب من اليهود
ومن أدلة الوحي على هذا قوله عليه الصلاة والسلام : (نحن أمة أمية, لا نكتب ولا نحسب)
فبين النبي صلى الله عليه وسلم (الأمية) بأنها عدم الكتابة والحساب, وهذا كاف شاف.فنحن أمة - في أمور العبادات كالأمور المتعلقة بالشهر - أمة أمية لا نحتاج إلى حساب أو كتابة, إنما نكتفي بالمشاهدة والرؤية, فليس كل المسلمين يعرفون الحساب , فلا تكليف بما لا يطاق في ديننا !
قال أبو العباس القرطبي في المفهم : (لم نكلف في تعرف مواقيت صومنا ولا عباداتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة ، وإنما ربطت عباداتنا بأعلام واضحة ، وأمور ظاهرة) فـ(الواجب في هذا المقام إجراء الفهم في الشريعة على وزان الاشتراك الجمهوري الذي يسع الأميين كما يسع غيره) كما قال الشاطبي في الموافقات (ج2/ص87)
وهذا لا يعني المنع من تعلم الحساب والكتابة, بل المعنى عدم تكلفها في مثل تلك الأمور التعبدية.ولذلك كان الوصف النبوي للأمة بذلك وصفا بالأمية النسبية المقيدة.
ومثله ما رواه الإمام أحمد(23446/مؤسسة قرطبة) والترمذي(2944) عن عفان، عن حماد، عن عاصم، عن زر، عن حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقيت جبريل عند أحجار المراء، فقلت: يا جبريل، إني أرسلت إلى أمة أمية؛ الرجل، والمرأة، والغلام، والجارية، والشيخ الفاني، الذي لم يقرأ كتابا قط فقال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف. ويروى عن أبي بن كعب!
وأما مماثلة كلمة (الأمي والأميين) لكلمة (الأمميين ) عند اليهود فلا دليل عليها بل الوضع اللغوي يأباه. فالأممي نسبة إلى الأمم أي الأمم غير أمة اليهود, وأما الأمي فنسبة إلى الأم أو غيرها كما حققه اللغويون, وقواعد الاشتقاق والنسبة محكّمة محكمة.
وقوله تعالى حاكيا كلام اليهود:  (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) خرج مخرج الغالب على العرب, وهو أمية القراءة والكتابة.
وخلاصة هذا أن معنى (أمي) الذي لا يعرف الكتابة والقراءة, وبما أن الغالب على العرب ذلك - إذ قد عرف في العرب من كان يكتب ويقرأ – فإنهم وصفوا بالأميين, ففهم بعض الناس أن ذلك وصف في مقابل أهل الكتاب,مع أنه قد وصف بعضهم بالأمية كما مر. فالنبي الأمي النبي الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة, وإلا لوجد المبطلون حجة في اتهامهم النبي صلى الله عليه وسلم بتأليف القرآن .والله أعلم.







السبت، 18 يناير 2014

لهذه الأسباب أخطأت ماجدولين النهيبي



لهذه الأسباب أخطأت ماجدولين النهيبي

رد على مقال: (لهذه الأسباب نشأ العنف والتطرف عند المسلمين)



كتبه طارق الحمودي



بسم الله الرحمن الرحيم

كتبت ماجدولين النهيبي في مقال لها بعنوان (لهذه الأسباب نشأ العنف والتطرف عند المسلمين) عن مصطلح (التوحيد) الذي يستعمله أهل العلم خصوصا أهل الحديث والأثر,زعمت فيه أن المصطلح مستحدث, حُمِّل معنى مخالفا لجوهر الإيمان بالله وحده, وأنه لم يرد لا في كتاب ولا في حديث نبوي شريف!!! فقالت:

[لفظ (التّوحيد) بصيغته تلك لم يرد في القرآن الكريم، ولا في الحديث النبوي الشريف... الذي ورد فيه الفعل (وحّد) فقط، في قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه (إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحِّدوا الله تعالى). فــ(التوحيد) إذن لفظة مستحدثة, حُمِّلت معنى مخالفا لجوهر الإيمان بالله وحده]

كذا زعمت, بل وزادت أن وزن (تفعيل) – وتقصد وزن كلمة (توحيد) -  يدل على التكرار والحركية الحسية, [بينما الإيمان بوحدانية الله فعل قلبـي وجداني] كما هو نص كلامها!!!

مرة أخرى أؤكد على أن بعض الكتاب المحسوبين على الفكر (الحداثي!!!) أو المعدودين في زمرة (الباحثين!!!) في التراث الإسلامي...أو اللابسين لبوس الدراسات الاصطلاحية - ولمَّا يحققوا!!! – حينما يغامرون في الدراسات الجزئية التوظيفية يقعون في عظائم الأخطاء المشككة في مستواهم المنهجي والمعلوماتي...ويضع اليد على واحدة من أخطر سلبياتهم ..إطلاق الأحكام...بلا استقراء حقيقي.

(التوحيد) في الحديث النبوي الشريف!

والكاتبة ماجدولين النهيبي أحد ضحايا هذا الوباء المنهجي...فنفيها المطلق وجود مصطلح (التوحيد) في الحديث النبوي ثم الخلوص إلى أنه محدث..كشف عن ميزة التسرع الاستقرائي عندها وعند أمثالها...وعن جهل كبير بالحديث وعلومه...وبيان هذا أنه روى  أحمد في المسند ( 3 / 391/مؤسسة قرطبة ) و الترمذي في الجامع

( 2597 /إحياء التراث العربي) عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يعذَّب ناس من أهل التوحيد في النار, حتى يكونوا فيها حمما ثم تدركهم الرحمة, فيخرجون ويطرحون على أبواب الجنة) [السلسلة الصحيحة/2451]

وروى الإمام أحمد أيضا ( 2 / 182 ) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في العاص بن وائل السهمي ...: (لو كان أقر بالتوحيد, فصمت وتصدقتَ عنه نفعه ذلك) [السلسلة الصحيحة / 484]

وروى أحمد (1/398) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان رجل ممن كان قبلكم لم يعمل خيرا قط ؛ إلا التوحيد ) [السلسلة الصحيحة / 3048]

فهذه أحاديث قولية من أحاديث أخرى كافية لإسقاط دعواها...وحسبي الله ونعم الوكيل.

لو كانت الكاتبة وقفت عند النفي لكان الأمر أهون..لكنها تشجعت أو تهورت فأرادت الاستئناس بعلم العربية...فزعمت أن قواعد اللغة العربية لا تقبل هذا التوظيف المصطلحي لكلمة (التوحيد) للدلالة على مضمون الإيمان بالله...والخطير في هذا ...أن كلامها يلزم منه تخطئة النبي صلى الله عليه وسلم في استعماله للمصطلح للدلالة على ذاك المضمون...وإلا ...فالمخرج الآمن لها أن تدعي الاستثناء ...أي أن تستثني مصطلح (التوحيد) من تقعيدها اللغوي السابق الذكر...وفي كلتا الحالتين..هي مطالبة بالاعتذار العلمي والاعتراف بالخطأ..ولذلك أستغل الفرصة لأفرك أذنيها فركا علميا فكريا...بكل أدب !

ومن الطريف أن حديث معاذ ورد من طريق ابن عباس عند الدارقطني في السنن بلفظ (توحيد الله), لكن فيه سعيد بن مسلمة الأموي وهو ضعيف..ومعاذ الله أن نحتج بحديث ضعيف وإن كان لنا لا علينا كما يقول ابن حزم في محلاه...لكن روى أبو نعيم في المستخرج على صحيح مسلم (1/118/دار الكتب العلمية) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أقر بتوحيد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله) وأصله عند مسلم (رقم 23) بلفظ (من قال لا إله إلا الله) فظهر بهذا أن (التوحيد) هو (لا إله إلا الله).. فلم كل هذا التشويش ؟!

وعلى هذا جرى لسان الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين ..والحمد لله رب العالمين

(التوحيد) في القرآن

وأما القرآن  - والذي نفت الكاتبة أن يكون احتوى على مصطلح (التوحيد) - فقد أفصح عن المصطلح (بسورة) هي سورة الإخلاص...ولذلك  قال جابر كما عند أبي داود في سننه (1909) وهو يصف حَجَّة النبي صلى الله عليه وسلم وصلاته عند مقام إبراهيم ركعتي الطواف: (فقرأ فيهما بـ[التوحيد] و[قل يا أيها الكافرون]) فسمى جابر رضي الله عنه سورة الإخلاص (التوحيد) ..! وهذا أقوى مضمونيا ...

(التوحيد) في اللغة

وأما لغة فـ(توحيد) على وزن (تفعيل) مصدر فعل (وحَّد)..وهو فعل لم تر في استعماله الكاتبة بأسا....بل أقرت بوروده على اللسان النبوي...في حديث معاذ...على الأقل...وهو في التصريف نظير (رتَّل) (ترتيلا) في قوله تعالى (وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) (الفرقان/32)

و(كلَّم) (تكليما) في قوله تعالى (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) (النساء/164)) و(قدَّر) (تقديرا) في قوله تعالى (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) (الفرقان/2) .فلا يحتاج الأمر إلى تكلف بحث وعناء تحقيق ليعرف القارئ أن الكاتبة أساءت اختيار الأنيس!

المقصد الحقيقي!!

لم يكن هدف الكاتبة هدفا لغويا أو تحقيقا مصطلحيا..بل كانت تهدف بنفيها أن تخلص إلى أمر أثقل وأعظم...وهو شرح عنوان مقالها : (لهذه الأسباب نشأ العنف والتطرف عند المسلمين) فإنها قالت:

[وقد نتج عن ذلك تشكيكهم أيضا في صدق قائل عبارة (لا إله إلا الله)، التي أصبحت في نظرهم غير كافية لدخول قائلها في الإسلام، وقسموا التوحيد على هذا الأساس إلى توحيد ألوهية وتوحيد ربوبية، متعمدين ذلك لتصنيف المسلمين إلى مؤمنين وكفار، أو إلى موحدين ومشركين. والحال أن لا إله إلا الله تُجمِل كل معاني الإيمان بالله وحده، وحُرمتها تجعل مال قائلها ودمه حراما وإن قالها كاذبا]

وقد امتلأت هذه الفقرة من مقالها بالأخطاء ..

فزعمت أن أهل الحديث لا يكفيهم النطق بـ(لا إله إلا الله) للدخول في الإسلام...وهذا خطأ من درجة (جبل...!) أو أنه اختلط عليها سبب الدخول في الإسلام وسبب الخروج منه, فأهل الحديث يؤمنون أن النطق بها كاف...في الدخول في الإسلام..لكنهم يؤمنون أيضا أن معارضة مقتضاها مما ينقضها مخرج من الإسلام, ومن ذلك أن يعتقد قائلها أن غير الله يتصرف في الكون ...أو أن غير الله يعطي ويمنع..وهل بعث الأنبياء والرسل إلا للتنبيه على نواقض (لا إله إلا الله) وتنقيتها وتصفيتها من شوائب الإفساد وترسيخ مقتضياتها في قلوب الناس.

وزعمت أن أهل الحديث قصدوا من تقسيم (التوحيد) إلى توحيد ربوبية وإلوهية تصنيف المسلمين...! إلى مؤمنين موحدين وكفار مشركين...وهذا أيضا خطأ ...ربما... لسوء فهم ...وقد يكون لسبب آخر!

فأهل الحديث إنما قسموا التوحيد تقسيما منهجيا...وإلا فالأقسام الثلاثة (الألوهية) و(الربوبية) و(الأسماء والصفات) متلازمة متداخلة... وللمزيد راجع رسالتين شيقتين في الموضوع بعنوان  (المختصر المفيد في بيان دلائل أقسام التوحيد) و(القول السديد في الرد علي من أنكر تقسيم التوحيد) كلاهما لعبد الرزاق بن عبد المحسن البدر.ونصيحتي للكاتبة...أن لا تغامر مرة أخرى...!


الأربعاء، 15 يناير 2014

السيل الجارف الجاري المغرق لمقال (هل صحيح البخاري, ألفه الشيخ البخاري؟)



السيل الجارف الجاري
المغرق لمقال:

(هل صحيح البخاري, ألفه الشيخ البخاري؟)



كتبه طارق الحمودي


 
 



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله أما بعد

فما فتئ أعداء الحديث يبتدعون أنواعا جديدة من التلبيسات, ويسعون لابتكار أساليب محدثة للطعن في السنة النبوية, وإفساد علاقة المؤمن بها وبقضاياها وقيمها العقدية والتعبدية والأخلاقية, ولكن الله سبحانه وتعالى بالمرصاد يكشف تدليسهم وتزويرهم, ويظهر جهلهم وغفلتهم, وقد لاحظت فيهم تهافتا على الفضيحة تهافت الفراش على النار, ومن ذلك تشكيك كاتب متحذلق في صحيح البخاري في مقال له بعنوان: هل صحيح البخاري ألفه الشيخ البخاري؟

قال الرجل:[والحال أيها السادة الأفاضل أن هؤلاء يكذبون علينا ويستهزئون بعقولنا ، لأن النسخ المخطوطة الموجودة الآن مبثوثة ومتفرقة الأجزاء في العديد من المكتبات الإسلامية عبر ربوع الوطن الإسلامي ليست هي النسخة الأصلية لصحيح البخاري بل هي مخطوطات تعد الأقدم للجامع الصحيح “صحيح البخاري” بخط يد مجموعة من العلماء والفقهاء والخطاطين  ، وليست بيد صاحب الصحيح نفسه وهو البخاري ، لا توجد في العالم أجمع نسخة واحدة تحمل توقيع البخاري ، بخط يده ، فكيف أمكن لهؤلاء المدلسين أن يستغفلوا الأمة ، كل الأمة ، ويخوضوا حروبا تكفيرية ، باسم البخاري وعبر كتاب اعتبر الأصح بعد كتاب الله ، ولا توجد لهذا الكتاب نسخة واحدة بخط مؤلفه ، وأقدم نسخة مخطوطة بين أيدينا الآن تعود لحوالي ثلاثمائة سنة بعد وفاة البخاري ].

وقال: [النسخ المسماة أصلية لم تنقل إلا عن أصل نقل  بدوره عن روايات شفهية ، وليس هناك ذكر لصحيح البخاري بخط البخاري أصلا) .

وخلاصة ما ذكره شبهتان:

الأولى: لا تصح نسبة كتاب إلى مؤلفه إلا إذا وجدت نسخته بخط يده !

الثانية: تناقل العلماء  صحيح البخاري بالمشافهة لا بالكتابة ...إلا بعد ثلاثمائة عام.

الجواب على الشبهة الأولى:

-       قاعدة مخترعة

هذه قاعدة محدثة لم يقل بها أحد من المتخصصين!! ولو كانت القاعدة صحيحة لتوافرت دواعيهم للتشكيك بها..ولكن شيئا من ذلك لم يحصل..وشهرة نسبة ما في أيدينا من نسخ الصحيح إلى مؤلفه أعظم من أن يمسها تشكيك ركيك!...وبيان هذا في الجواب على الشبهة الثانية

الجواب على الشبهة الثانية:

-       تاريخ أصل نسخة المؤلف من صحيحه

o       الفربري تلميذ البخاري

لا يعلم الكاتب – بطبيعة جهله بهذا العلم- أن أصل البخاري بقي بعد وفاته عند تلميذه الفربري الذي اشتهرت رواية صحيح البخاري من طريقه, وقد أخذ عن الفربري رواية الصحيح عدد كبير اشتهر منهم تسعة أو سبعة من الأكابر والحفاظ المتقنين أهل الديانة والصنعة, والطريف في الأمر أن الذين تلقوا صحيح البخاري عنه انتسخوا نصه من أصل البخاري ونسخته التي كانت عنده !! مثل أبي إسحاق المستملي وأبي محمد الحمويي وأبي الهيثم الكشميهني وأبي زيد الفاشاني وغيرهم كما في (التعديل والتجريح لمن خرج عنه البخاري في الجامع الصحيح/ص287/تحقيق أحمد لبزار) لأبي الوليد الباجي,ولم يشكك أحد من أهل التخصص والتحقيق من فضلاء أهل العلم في نسخ هؤلاء إلى أن أطل علينا أمثال هذا المتحذلق  !

قال ابن رشيد السبتي في (إفادة النصيح في التعريف بسند الجامع الصحيح /ص18-19/الدار التونسية للنشر): (الطريق المعروف اليوم إلى البخاري في مشارق الأرض ومغاربها باتصال السماع طريق الفربري, وعلى روايته اعتمد الناس لكمالها وقربها وشهرة رجالها, وكان عنده أصل البخاري, ومنه نقل أصحاب الفربري فكان ذلك حجة له عاضدة, وبصدقه شاهدة.ثم تواتر الكتاب من الفربري بل زاد ...فتطوق به المسلمون وانعقد الإجماع عليه,فلزمت الحجة, ووضحت المحجة,والحمد لله)



-       أبو إسحاق المستملي

وقال أبو الوليد الباجي في (التعديل والتجريح /ص287): (أخبرنا أبو ذر عبد بن أحمد الهروي الحافظ – رحمه الله – حدثنا أبو إسحاق المستملي إبراهيم بن أحمد قال: انتسخت كتاب البخاري من أصله, كان عند محمد بن يوسف الفربري) .وقال ابن رشيد(ص25): (نقل أبو إسحاق فرعه من أصل البخاري) ...وعنه أخذ أبو ذر الصحيح وعن الكشميهني والحمويي وصارت روايته من أقوى الروايات...ويكفي لهذا أن من بين من أخذ عنهم الصحيحَ ..المستمليُّ, وقد عرفت أنه انتسخ لنفسه من أصل البخاري!

-       أبو عبد الله ابن منظور

استمر الرواة في طريقة الانتساخ من أصول شيوخهم مباشرة كما فعل أبو عبد الله ابن منظور مع شيخه أبي ذر كما في (إفادة النصيح/ص46),ومثله أبو علي الصدفي الذي حصل ابن حجر على أصله, وانظر المقالة التي كتبها الدكتور عبد الهادي التازي بعنوان: صحيح البخاري بخط الحافظ الصدفي المنشورة في مجلة دعوة الحق العدد الثامن السنة الخامسة عشرة, وقد نص على أنه وقعت معارضة النسخة ومقابلتها مع أصل الصدفي، المأخوذ عن نسخة الباجي.وقد كان الصدفي يحفظ صحيح البخاري متنا وسندا, قال القاضي عياض : لقد حدثني الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر أن أبا علي الحافظ قال له: (خذ الصحيح، فاذكر أي متن شئت منه، أذكر لك سنده، أو أي سند، أذكر لك متنه), وكان القاضي عياض يلازمه, وأكثر من الأخذ عنه, ومن ذلك صحيح البخاري.

فانظر كيف أن تلاميذ الفربري نقلوا من أصل البخاري . وهو يعني أنه صارت عندنا بسبب ذلك نسخ مطابقة لأصل البخاري...ثم كتب تلاميذ تلاميذه نسخا طبق الأصل عن هذه النسخ وهكذا...ولم يكتفوا بالنقل الشفاهي كما زعم المتحذلق !

ومن أراد أن يعرف طريقة العلماء والمحدثين في الانتساخ وضوابطه الرصينة وقواعده المتينة فليراجع كتاب (الإلماع) للقاضي عياض رحمه الله .

أما بعد, فعدم وقوفنا على نسخة البخاري الأصلية في القرون المتأخرة لا يمكن أن يكون سببا مطلقا للتشكيك في صحة نسبة الكتاب الذي بين أيدينا إليه عند من يحترم عقله...طالما أنه توافرت وتوافقت صور طبق الأصل على نقله إلينا ...ولا أظن عاقلا يتوقف في نسبة ما وجد في تلك النسخ إلى البخاري...ثم تواتر النقل عن تلاميذ البخاري بما لا يحصر من الرواة وطلبة الحديث !

o       أبو أحمد الجرجاني تلميذ الفربري

ومع ذلك فقد بقي أصل البخاري عند أحد تلاميذ الفربري, وهو محمد بن محمد بن يوسف بن مكي الجرجاني أبو أحمد(تـ373 أو بعدها بسنة), ومنها أخذ الحافظ أبو نعيم رواية الصحيح الذي استخرج عليه ! قال أبو نعيم الأصفهاني في ترجمته في تاريخ أصبهان (2/ص259/دار الكتب العلمية): (سمعنا منه أصل كتاب البخاري عن الفربري عنه)

وقال ابن نقطة محمد بن عبد الغني البغدادي في (التقييد لمعرفة رواة الأسانيد/ص104/دار الكتب العلمية): (كان عنده الصحيح عن البخاري عن الفربري عنه أهـ.



o       الأصيلي تلميذ الجرجاني

وقال المهلب بن أبي صفرة في المختصر الصحيح في تهذيب الكتاب الجامع الصحيح (1/69/دار التوحيد) : (رواه عنه جماعة, منهم:أَبُونعيم صاحب المستخرج على صحيح البخاري, وهو إسناده فيه. وهو كذلك ثاني شيخين لأبي محمد الأصيلي في صحيح البخاري، وسماع أبِي محمد منه قبل سنة 359، منتهى رحلته إلى الشرق، ولعله كان سنة 357.وهذان سمعا منه الصحيح من أصل الكتاب.) والمهلب تلميذ للأصيلي.

والشيخ الثاني للأصيلي هو أبو زيد محمد بن أحمد المروزي , وقد ثبت بكل هذا أن أصل البخاري بقي موجودا بعد موت صاحبه إلى أن أخذ منه الحافظ أبو نعيم والأصيلي...وآخرون...!

وعلى أصل الأصيلي الخاص به صحح القاضي عياض نسخته. قال المنوني رحمه الله في مقال له في دعوة الحق: (كان صحح نسخته من صحيح البخاري على أصل الأصيلي بخطه, وعارضها به حرفا حرفا )

والمستملي والجرجاني المذكوران سابقا إحدى الطرق السبعة التي اتصلت منها رواية الحافظ ابن حجر  لصحيح البخاري عن الفربري كما في فتح الباري !

-       طريق ثانية إلى صحيح البخاري في روايات المغاربة

روى صحيح البخاري أيضا مع الفربري وإن لم يكن في شهرته... النسفي.. ومن روايتهما تلقى المغاربة صحيح البخاري في العدوتين, عدوتي الأندلس والمغرب , وممن رواه من الطريقين القاضي عياض كما في الغنية (ص35/دار الغرب) فإنه قال: (لم تدخل هذه البلاد رواية البخاري إلا من هذين الطريقين عن الفربري والنسفي) وثم طرق أخرى ذكرها المتخصصون في التراث وأنساب المخطوطات في مظانها والحمد لله.

-       ليست هذه الطريقة الوحيدة في إثبات صحة النسبة !

ثم إن أهل العلم سلكوا في إثبات صحة نسبة صحيح البخاري الذي عندنا إلى البخاري نفسه مسالك علمية أخرى كافية لإقناع أهل المعرفة والعقل ..ولا يتحمل هذا المقال والمقام ذكر شيء من ذلك, ولعل ما ذكرته كاف شاف فإني لم أقصد التتبع ولا الاستقراء, لا التاريخي ولا الجغرافي,والله الموفق للصواب.

وانظر الوثيقة الملحقة والتي حاولت فيها ذكر جزءا من شجرة نسب نسخ البخاري في المغرب, ولم أقصد الاستيعاب أيضا فالأمر طويل الذيل.