الثلاثاء، 28 يناير 2014

المقالات الحداثية..بين الاستقراء..والانتقاء






المقالات الحداثية..بين الاستقراء..والانتقاء
كتبه طارق الحمودي
رد على مقال:
السلفية المستنيرة والسلفية المتزمتة
لصاحبه: محمد المصباحي



يعمد بعض الكتاب (الحداثيين!!) إلى أنواع من التضليل النظري عمدا أو جهلا... بحيث لا ينتبه القارئ أحيانا إلى أنه يتعرض لعملية توجيه قسري على نحو سخيف. وهذا ما حاوله الكاتب محمد المصباحي في مقالة له بعنوان: (بين السلفية المستنيرة والسلفية المتزمتة) , حاول فيها التفريق بين مجتمعين, والجمع بين متفرقين...بطريقة سخيفة وباردة...!
بدأ الكاتب بمحاولة الفصل المضموني بين (السلفية) وبين (العقل) و(الاستتنارة) , زاعما وجود تنافر وتضاد موضوعي وتاريخي بينهما, ثم عرض وجهة نظر عجيبة للجمع بينهما في نوع من (المفاوضة الفكرية), بحيث اقترح إحداث [تعديلات دلالية جذرية على لفظة (السلفية) كيما تغدو قابلة للتفاعل والانفعال مع ضدها (لفظة الاستنارة)] ثم جعل هذا في مقابل الجمع بينهما باعتبار المجاز فقط.!!!!
وعلى هذا ملاحظتان :
الأولى: أنه لا حق له في اختيار الجهة التي ينبغي إجراء تعديلات دلالية عليها, وليس مصطلح (العقل) و(الاستنارة) بالمعصومين من ذلك, فلو قيل: الأولى إجراء تعديلات دلالية جذرية على كلمة (الاستنارة) و(العقل) لكان مقبولا ومعقولا..والسبب في ذلك أن مفهوم العقل عند هؤلاء غير محدد المضمون..فقد اختلفوا في تحديد معالمه بل وحقيقته وتجلياته بما يفاجئ القارئ لو وقف عليه...
الثانية: أنه لابد أولا من تحقيق هذا التعارض المزعوم...بالدليل الاستقرائي بالوصف والتحليل  ..لأن دعوى التعارض ينبغي أن تكون نتيجة لا مقدمة..فقبح الله المصادرة!
وبعد هذا المدخل الفاسد الذي وطأ به الكاتب لمقالته شرع في مقصوده الأساس وهو الإنكار على (السلفية الحنبلية) معاداتها للعلم طبا وحسابا وفلكا...في زعمه...واعتمد في ذلك على ما ذكره ابن رجب الحنبلي في كتابه (فضل علم السلف على الخلف) والذي أخطأ الكاتب في اسمه فكتبه في الهامش عند أول إحالة إليه :(بيان فضل علم الخلف على السلف) وكأنه خطأ كاشف عن مقصوده من المقال..ربما...!
فهل فعلا تعادي السلفية ...حنبلية كانت أو مالكية أو شافعية أو حنفية هذه العلوم ؟ وما الذي جعل الكاتب يزعم ذلك ؟ وهل تسعفه النصوص التي استمدها من هذا الكتاب..وهل كان في نقله منصفا أمينا ؟ وهل كانت رؤيته التحليلية رؤية استقرائية أو انتقائية؟
سوف لن أوسع عليه دائرة النقد ...وسأكتفي بما سماه (السلفية الحنبلية) وإلا فالسلفية لا تعرف مذهبا...وربطها بالحنابلة خطأ تاريخي ومنهجي...فكثير من فصلاء المالكية والشافعية والحنفية كانوا سلفيين...بل إن الإمام مالكا والشافعي وأحمد يصنفون إلى الآن من المدرسة الحديثية السلفية...وما فعله الكاتب يدل على عدم احترافية في قراءة التاريخ وضعف كبير في الدراسات المتعلقة بالفرق ومذاهبها ومقالاتها.
سأكتفي بـ(السلفية الحنبلية) , لأنه سيسهل علي المحاورة العلمية..وإلا..فلو وجدت وقتا لكان الأمر أشمل وأعم..ولكن المشاغل كثيرة.
استنكر الكاتب على (السلفية الحنبلية) عداءها للعلوم في موضعين:
الموضع الأول: زعمه أن السلفية الحنبلية تقسم العلم إلى علم نافع وهو العلم المتلقى كتابا أو سنة وما كان عليه السلف, وإلى علم غير نافع وهو [العلم النابع من ذات الإنسان] كما هي عبارته,وهذا هو زعمه...!
عرض الكاتب موقف بعض الحنابلة من العلوم العقلية في صورة مشوهة , ليبدو منها هؤلاء الحنابلة أعداء للعقل ومنتجاته...أعداء للعلوم العقلية كالحساب والفلك والتجريبية كالطب..ثم خلطها بما كان من العلوم المنقوعة في العقل..كعلم الكلام والتصوف..وما كان بينهما كعلم الأنساب والعربية ..كذا قال...بعد استعراض جملة من نصوص (السلفية الحنبلية) ...وخلاصة ما انتهيت إليه بعد تفحص لما كتبه أنه كان يخلط ويخبط...وهذا بيان سبب ذلك.
حينما يتحدث علماء السلف عن تقسيم العلم إلى علم نافع وعلم غير نافع, فإنما يتحدثون عن تقسيم في سياق الحديث عن المباحث الشرعية عقيدة وفقها...وعن التوظيف الديني...لا عن التوظيف الدنيوي...وعدم الانتباه لهذا سينتج عنه حكم مشوه بالعاهات المنهجية...فليس بين السلف.. والتوظيف الدنيوي للعلوم ..العقلية أي مشكلة..بل مذاهبهم مصرحة بتصحيحها والتنويه بها..بل وممارستها وتدريسها... والعجيب أن الكاتب نفسه ذكر إنكار العلماء استعمال بعض العلوم العقلية في حل القضايا الشرعية...ولم يكن هذا قصده من العيب على (السلفية الحنبلية)  فقط..بل كان قصده اتهامها بمعاداة استعمال العلوم العقلية مطلقا...سواء تعلق الأمر بالتوظيف الشرعي الديني أو الدنيوي..وسأناقشه في التوظيفين.
وسآخذ على هذا مثالا واحدا ...من المدرسة (السلفية الحنبلية) مراعاة لمطابقة مقتضى مقال الكاتب...وهو ابن تيمية الحنبلي! الذي يقول في الرد على المنطقيين (ص255/دار المعرفة): (كان كثير من علماء السنة يرغب في النظر في العلوم الصادقة الدقيقة كالجبر والمقابلة وعويص الفرائض والوصايا والدور لشحذ الذهن فإنه علم صحيح في نفسه) فجعل النظر في تلك العلوم لشحذ الذهن صحيحا في نفسه..بل صرح بأن بعض أهل السنة يتعاطاها..! فأين المعاداة المزعومة للعلوم العقلية...الدقيقة...كالحساب ؟!
وقال في (الفتاوى الكبرى/1/396/دار المعرفة): (فأما الحساب وهو معرفة أقدار الأفلاك والكواكب وصفاتها ومقادير حركاتها وما يتبع ذلك فهذا في الأصل علم صحيح لا ريب فيه كمعرفة الأرض وصفتها ونحو ذلك) فلاحظ قوله: (فهذا في الأصل علم صحيح لا ريب فيه) فأين المعاداة المزعومة للحساب؟!
وكلام ابن تيمية رحمه الله صريح في عدم معاداة (السلفية الحنبلية للعلوم العقلية) ...وما قد يوهم غير هذا فله وجهة أخرى.
يقسم ابن تيمية العلوم إلى قسمين:
القسم الأول: علوم نبوية أو أخروية أو معارف دينية
القسم الثاني: علوم لها تعلق بالأمور الدنيوية كالطب والحساب
ولذلك تجده يقول في الجواب الصحيح ( 6/22/المدني) وهو يتحدث عن المسلمين ومنهم (السلفية الحنبلية!!) : (فأما العلوم فهم أحذق في جميع العلوم من جميع الأمم حتى العلوم التي ليست بنبوية ولا أخروية كعلم الطب مثلا والحساب ونحو ذلك هم أحذق فيها من الأمتين ومصنفاتهم فيها أكمل من مصنفات الأمتين بل أحسن علما وبيانا لها من الأولين الذين كانت هي غاية علمهم )
وقال في (الفتاوى/13/136): (قد يكون علم من غير الرسول ؛ لكن في أمور دنيوية مثل الطب والحساب والفلاحة والتجارة . وأما الأمور الإلهية والمعارف الدينية, فهذه العلم فيها مأخذه عن الرسول) ولا أظن أحدا يعقب على هذا الكلام !
بل إنه لا يرى في أخذ مثل هذه العلوم عن من ثبتت مخالفته للإسلام وأصوله ..وهذا أبعد ما يمكن ذكره لبيان افتراء الكاتب على (السلفية الحنبلية) يقول ابن تيمية في (الفتاوى/4/114 ): (ذكر ما لا يتعلق بالدين, مثل مسائل الطب والحساب المحض التي يذكرون فيها ذلك, وكتب من أخذ عنهم مثل : محمد بن زكريا الرازي وابن سينا ونحوهما من الزنادقة الأطباء ما غايته : انتفاع بآثار الكفار والمنافقين في أمور الدنيا فهذا جائز)
بل يجعل أخذ ذلك عنهم أحسن..فإنه قال في (الفتاوى/4/114/ابن تيمية) :  (أخذ علم الطب من كتبهم مثل الاستدلال بالكافر على الطريق واستطبابه بل هذا أحسن . لأن كتبهم لم يكتبوها لمعين من المسلمين حتى تدخل فيها الخيانة)
فأين معاداة السلفية الحنبلية للطب والحساب وعلوم الفلاحة...!؟ حسبي الله ونعم الوكيل.
أنتقل الآن إلى مسألة التوظيف الديني للعلوم العقلية...أي توظيف العلوم العقلية في المباحث الإلاهية والدينية والشرعية...والتي ينهى عنها أهل السنة ...وهو أمر استنكره عليهم الكاتب معتبرا ذلك نوعا من (معاداة العلوم العقلية)
حينما يتحدث العلماء عن علم نافع وعلم غير نافع فهم يقصدون كما سبق وذكرته النفع وعدمه باعتبار التوظيف في المسائل الدينية...ولهم في ذلك مسوغاتهم وتعليلاتهم...وليس من بينها أبدا نفي النفع مطلقا..عن العلوم العقلية..فعدم نفعها في المباحث الدينية لا المباحث الطبيعية..وسآخذ ابن تيمية مرة أخرى نموذجا..لكونه أحد كبار منظري (السلفية الحنبلية)
يقول ابن تيمية في الفتاوى(9/215): (قد بينا أن شريعة الإسلام ومعرفتها ليست موقوفة على شيء يتعلم من غير المسلمين أصلا، وإن كان طريقًا صحيحًا، بل طرق الجبر والمقابلة فيها تطويل، يغني الله عنه بغيره كما ذكرنا في المنطق .
وهكذا كل ما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم ،مثل العلم بجهة القبلة، والعلم بمواقيت الصلاة، والعلم بطلوع الفجر والعلم بالهلال، فكل هذا يمكن العلم به بالطرق التي كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يسلكونها ولا يحتاجون معها إلى شيء آخر . وإن كان كثير من الناس قد أحدثوا طرقًا أخر . وكثير منهم يظن أنه لا يمكن معرفة الشريعة إلا بها . وهذا من جهلهم، كما يظن طائفة من الناس أن العلم بالقبلة لا يمكن إلا بمعرفة أطوال البلاد وعروضها، وهو وإن كان علما صحيحًا حسابيًا يعرف بالعقل، لكن معرفة المسلمين بقبلتهم ليست موقوفة على هذا)
بين ابن تيمية بهذا الكلام:
-أن الطرق الحسابية مثلا طرق صحيحة في نفسها
-أن العلم ببعض الأمور التي تتعلق بها أحكام شرعية يكتفى فيها بطريقة الشريعة الموحى بها والتي خبرها الصحابة رضي الله عنهم واستعملوها
-أن هذه بعض الأحكام الشرعية مستغنية عن توظيف العلوم العقلية والحسابية فيها بسبب أنها تكلف وتطويل واستعمالها فيها مخالف لمقاصد التشريع الإسلامي في التيسير عند فهم الخطاب والعمل بمقتضاه...وهذا هو علة جعل السلف لها غير نافعة...في بعض الشرعيات...!
وأما في العقائد..فالأمر أشد..فالنهي عن توظيف بعض العلوم العقلية فيها راجع إلى عدم أهليتها لذلك لقصورها عن إدراك المعارف الإلاهية قوة وفعلا ...ومن ذلك الفلسفة والمنطق, وقد بين ابن تيمية ذلك في (الرد على المنطقيين) و(نقض المنطق) وفي (درء تعارض العقل والنقل) وقال في الفرقان: ( العلم ما قام عليه الدليل والنافع منه ما جاء به الرسول . و قد يكون علم من غير الرسول ؛ لكن في أمور دنيوية  مثل الطب والحساب والفلاحة والتجارة . وأما الأمور الإلهية والمعارف الدينية فهذه العلم فيها مأخذه عن الرسول , فالرسول أعلم الخلق بها وأرغبهم في تعريف الخلق بها وأقدرهم على بيانها وتعريفها فهو فوق كل أحد في العلم والقدرة والإرادة وهذه الثلاثة بها يتم المقصود)
فالعلم النافع في الإلاهيات هو ما جاء به الرسل, لا ما ابتدعته العقول, سواء عقول علماء الكلام أو الفلاسفة, والعلوم الدنيوية قد تكون نافعة وقد تكون ضارة في أصلها أو نتائجها, فالأمر بحسبه...وليست أسلحة الدمار الشامل ببعيدة عن موضوعنا.
وقبل أن أنهي كلامي ..أود تنبيه القارئ إلى أن كلام المتقدمين في بعض تلك العلوم..كان عن علوم غير ناضجة فيها كثير من الخبط وعدم التحقيق..بل وبعض الخرافات والحماقات..كقول فلاسفة اليونان في الأفلاك التسعة ومنازل العقول معها...!!! فلا ينزل كلامهم على العلوم بما هي عليه اليوم...والله المستعان.

الاثنين، 27 يناير 2014

تحقيق معنى النبي الأمي




تحقيق معنى النبي الأمي
كتبه طارق الحمودي

مناقشة للأستاذ جمال السيد درة في مقاله
(النبي الأمي, حقيقة المعنى السائد وإعجاز القرآن)



بسم الله الرحمن الرحيم
منذ أن تفتحت عيون الفهم عندنا ونحن نعتقد أن معنى الأمية الموصوف بها نبينا صلى الله عليه وسلم أمية الكتابة والقراءة, على أنها معجزة نبوية تمنع المبطلين من دعوى تأليف النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن والوقوف عند ربانية مصدره المؤسسة للحجة الرسالية الإسلامية, ولم  نكن نعتقد أن إجماع العلماء على معنى الأمي كان عن تقليد ومخاطرة, بل كنا نؤمن أن ما ذهبوا إليه هو ما تقتضيه اللغة العربية وما تؤكده السياقات والقرائن المصاحبة للنصوص المؤسسة مجتمعة متكاملة في هذا الباب, والحمد لله رب العالمين.
يلفت نظر المتتبع للكتابات الجديدة والمقالات الموسومة بالتجديد الفكري - زعموا - أن التسرع والمغامرة سمة كاشفة لازمة, ومن ذلك محاولة الأستاذ جمال السيد درة وهو كاتب لا أعرفه شخصيا لكنني وقفت له على هذه المغامرة العجيبة.
اختار الكاتب أن تكون المنطقة الفكرية التي تجري فيها أحداث المغامرة مجالا يخص النبوة والإعجاز, وهو تحقيق معنى الأمية التي وصف بها النبي صلى الله عليه وسلم في الوحيين, وقد ذهب الكاتب إلى أن معنى (النبي الأمي) (النبي العربي) في مقابل أهل الكتاب, وأورد ما حاول به التأسيس النصي واللغوي لذلك, واستجلب معلومات ظن في وجهة نظره أنها أصل مؤسس أو مؤكد مؤنس لاختياره, وسأذكر ذلك وأناقشه مناقشة علمية مستوفية للشروط الأدبية المناسبة, إذ أبدى الكاتب في طرحه أدبا واحتراما لمخالفه, وعرضه معرض التجرد والنصيحة,ولذلك يستحق مني المعاملة بالمثل مع الاحترام اللازم والتقدير.
استبعد الكاتب أن يكون معنى الأمية النبوية أو الأمية العربية عدم القراءة والكتابة , ورجح أن يكون المعنى (من ليس من أهل الكتاب) واحتج بقوله تعالى (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ) وقال: [قسمت الآية الناس إلى قسمين الأول (الذين أوتوا الكتاب)، والقسم الثاني (الأميين), أي أن الأميين هم  (من هم غير الذين أوتوا الكتاب)] ثم أردف ذلك بكون اليهود يستعملون هذا المصطلح للدلالة على غيرهم ممن لم يؤتوا كتابا مثل كلمات(الأمم – الأمميون – الأممي) في نصوصهم التراثية, قاصدا ممثالة المصطلح القرآني(الأمي) في مثل قوله تعالى (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) وقال : [ فقولهم ليس علينا في الأميين سبيل لا يمكن أن تفهم بأنها تعني ليس لنا على من لا يعرف القراءة والكتابة سبيل، أو ليس لنا على العرب سبيل؛ لأنهم كانوا يتعاملون مع أمم كثيرة غير العرب] وحرص الكاتب على أن لا يفرغ المصطلح من دلالته الإعجازية فقال: [واستخدام القرآن الكريم كلمة (أميين) هو تعبير معجز يؤكد للمشككين، بأن القرآن نزل من عند الله تعالى، بدليل أن هذا التعبير المتعارف عليه بين أهل الكتاب لم يكن معروفا للنبي ولا لقومه ولا للمفسرين في القرون الأولى للإسلام] ثم نصح الكاتب الهيئات العلمية اللغوية باستدراك المعنى المتوارث وإعادة النظر فيه. هذا خلاصة ما عرضه الكاتب والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

يغفل كثير من أمثال الأستاذ جمال عن شرط أساس في أمثال هذا النوع من البحوث المصطلحية, وهو شرط الاستقراء, فالحريص على التدقيق والتحقيق يؤكد على ضرورة الاستقراء الجمعي ثم التحليلي من المظان المعروفة المتوفرة, وأظن أن الكاتب خانه تحقيق الشرط فضلا عن استيفائه.
سنبدأ أولا بالجواب على سؤال مبدئي وهو: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقرأ ولا يكتب؟
والجواب أن الله تعالى قال فيه: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) العنكبوت. والآية ظاهرة في وصف النبي صلى الله عليه وسلم بعدم القراءة والكتابة معا,ولذلك اتفق المفسرون وأهل اللغة منهم خاصة على ذلك, فروى الطبري في الجامع عن قتادة قال:( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ) قال: كان نبي الله لا يقرأ كتابا قبله، ولا يخطه بيمينه.

وقال ابن كثير : (أي: قد لبثت في قومك - يا محمد -ومن قبل أن تأتي بهذا القرآن عُمرا لا تقرأ كتابا ولا تحسن الكتابة، بل كل أحد من قومك وغيرهم يعرف أنك رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب)

قال الطاهر ابن عاشور : ومعنى  (ما كنت تتلو من قبله من كتاب) أنك لم تكن تقرأ كتابا حتى يقول أحد : هذا القرآن الذي جاء به هو مما كان يتلوه من قبل .و (لا تخطه) أي لا تكتب كتابا ولو كنت لا تتلوه ، فالمقصود نفي حالتي التعلم ، وهما التعلم بالقراءة والتعلم بالكتابة استقصاء في تحقيق وصف الأمية فإن الذي يحفظ كتابا ولا يعرف يكتب لا يعد أميا كالعلماء العمي ، والذي يستطيع أن يكتب ما يلقى إليه ولا يحفظ علما لا يعد أميا مثل النساخ .
فثبت بهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف القراءة ولا الكتابة

قد يقول قائل : ليس هذا موضع الخلاف, بل موضع الخلاف بيان معنى (الأمي), والجواب أنه لا يعرف في اللغة أن يكون معنى الأمي غير الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة, وأما الزعم بأن معنى الأمي أي العربي غير أهل الكتاب فالجواب عليه في قوله تعالى : (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78) (البقرة) فوصف الله تعالى بعض أهل الكتاب بالأمية, فلم يبق للعربي اختصاص بالوصف إلا تغليبا.وعلى هذا قول العلماء المحققين.فروى الطبري عن إبراهيم قال: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب)، قال: منهم من لا يحسن أن يكتب.
وروى عن ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:(ومنهم أميون) قال: أميون لا يقرءون الكتاب من اليهود
ومن أدلة الوحي على هذا قوله عليه الصلاة والسلام : (نحن أمة أمية, لا نكتب ولا نحسب)
فبين النبي صلى الله عليه وسلم (الأمية) بأنها عدم الكتابة والحساب, وهذا كاف شاف.فنحن أمة - في أمور العبادات كالأمور المتعلقة بالشهر - أمة أمية لا نحتاج إلى حساب أو كتابة, إنما نكتفي بالمشاهدة والرؤية, فليس كل المسلمين يعرفون الحساب , فلا تكليف بما لا يطاق في ديننا !
قال أبو العباس القرطبي في المفهم : (لم نكلف في تعرف مواقيت صومنا ولا عباداتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة ، وإنما ربطت عباداتنا بأعلام واضحة ، وأمور ظاهرة) فـ(الواجب في هذا المقام إجراء الفهم في الشريعة على وزان الاشتراك الجمهوري الذي يسع الأميين كما يسع غيره) كما قال الشاطبي في الموافقات (ج2/ص87)
وهذا لا يعني المنع من تعلم الحساب والكتابة, بل المعنى عدم تكلفها في مثل تلك الأمور التعبدية.ولذلك كان الوصف النبوي للأمة بذلك وصفا بالأمية النسبية المقيدة.
ومثله ما رواه الإمام أحمد(23446/مؤسسة قرطبة) والترمذي(2944) عن عفان، عن حماد، عن عاصم، عن زر، عن حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقيت جبريل عند أحجار المراء، فقلت: يا جبريل، إني أرسلت إلى أمة أمية؛ الرجل، والمرأة، والغلام، والجارية، والشيخ الفاني، الذي لم يقرأ كتابا قط فقال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف. ويروى عن أبي بن كعب!
وأما مماثلة كلمة (الأمي والأميين) لكلمة (الأمميين ) عند اليهود فلا دليل عليها بل الوضع اللغوي يأباه. فالأممي نسبة إلى الأمم أي الأمم غير أمة اليهود, وأما الأمي فنسبة إلى الأم أو غيرها كما حققه اللغويون, وقواعد الاشتقاق والنسبة محكّمة محكمة.
وقوله تعالى حاكيا كلام اليهود:  (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) خرج مخرج الغالب على العرب, وهو أمية القراءة والكتابة.
وخلاصة هذا أن معنى (أمي) الذي لا يعرف الكتابة والقراءة, وبما أن الغالب على العرب ذلك - إذ قد عرف في العرب من كان يكتب ويقرأ – فإنهم وصفوا بالأميين, ففهم بعض الناس أن ذلك وصف في مقابل أهل الكتاب,مع أنه قد وصف بعضهم بالأمية كما مر. فالنبي الأمي النبي الذي لا يعرف القراءة ولا الكتابة, وإلا لوجد المبطلون حجة في اتهامهم النبي صلى الله عليه وسلم بتأليف القرآن .والله أعلم.







السبت، 18 يناير 2014

لهذه الأسباب أخطأت ماجدولين النهيبي



لهذه الأسباب أخطأت ماجدولين النهيبي

رد على مقال: (لهذه الأسباب نشأ العنف والتطرف عند المسلمين)



كتبه طارق الحمودي



بسم الله الرحمن الرحيم

كتبت ماجدولين النهيبي في مقال لها بعنوان (لهذه الأسباب نشأ العنف والتطرف عند المسلمين) عن مصطلح (التوحيد) الذي يستعمله أهل العلم خصوصا أهل الحديث والأثر,زعمت فيه أن المصطلح مستحدث, حُمِّل معنى مخالفا لجوهر الإيمان بالله وحده, وأنه لم يرد لا في كتاب ولا في حديث نبوي شريف!!! فقالت:

[لفظ (التّوحيد) بصيغته تلك لم يرد في القرآن الكريم، ولا في الحديث النبوي الشريف... الذي ورد فيه الفعل (وحّد) فقط، في قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه (إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحِّدوا الله تعالى). فــ(التوحيد) إذن لفظة مستحدثة, حُمِّلت معنى مخالفا لجوهر الإيمان بالله وحده]

كذا زعمت, بل وزادت أن وزن (تفعيل) – وتقصد وزن كلمة (توحيد) -  يدل على التكرار والحركية الحسية, [بينما الإيمان بوحدانية الله فعل قلبـي وجداني] كما هو نص كلامها!!!

مرة أخرى أؤكد على أن بعض الكتاب المحسوبين على الفكر (الحداثي!!!) أو المعدودين في زمرة (الباحثين!!!) في التراث الإسلامي...أو اللابسين لبوس الدراسات الاصطلاحية - ولمَّا يحققوا!!! – حينما يغامرون في الدراسات الجزئية التوظيفية يقعون في عظائم الأخطاء المشككة في مستواهم المنهجي والمعلوماتي...ويضع اليد على واحدة من أخطر سلبياتهم ..إطلاق الأحكام...بلا استقراء حقيقي.

(التوحيد) في الحديث النبوي الشريف!

والكاتبة ماجدولين النهيبي أحد ضحايا هذا الوباء المنهجي...فنفيها المطلق وجود مصطلح (التوحيد) في الحديث النبوي ثم الخلوص إلى أنه محدث..كشف عن ميزة التسرع الاستقرائي عندها وعند أمثالها...وعن جهل كبير بالحديث وعلومه...وبيان هذا أنه روى  أحمد في المسند ( 3 / 391/مؤسسة قرطبة ) و الترمذي في الجامع

( 2597 /إحياء التراث العربي) عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يعذَّب ناس من أهل التوحيد في النار, حتى يكونوا فيها حمما ثم تدركهم الرحمة, فيخرجون ويطرحون على أبواب الجنة) [السلسلة الصحيحة/2451]

وروى الإمام أحمد أيضا ( 2 / 182 ) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في العاص بن وائل السهمي ...: (لو كان أقر بالتوحيد, فصمت وتصدقتَ عنه نفعه ذلك) [السلسلة الصحيحة / 484]

وروى أحمد (1/398) عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان رجل ممن كان قبلكم لم يعمل خيرا قط ؛ إلا التوحيد ) [السلسلة الصحيحة / 3048]

فهذه أحاديث قولية من أحاديث أخرى كافية لإسقاط دعواها...وحسبي الله ونعم الوكيل.

لو كانت الكاتبة وقفت عند النفي لكان الأمر أهون..لكنها تشجعت أو تهورت فأرادت الاستئناس بعلم العربية...فزعمت أن قواعد اللغة العربية لا تقبل هذا التوظيف المصطلحي لكلمة (التوحيد) للدلالة على مضمون الإيمان بالله...والخطير في هذا ...أن كلامها يلزم منه تخطئة النبي صلى الله عليه وسلم في استعماله للمصطلح للدلالة على ذاك المضمون...وإلا ...فالمخرج الآمن لها أن تدعي الاستثناء ...أي أن تستثني مصطلح (التوحيد) من تقعيدها اللغوي السابق الذكر...وفي كلتا الحالتين..هي مطالبة بالاعتذار العلمي والاعتراف بالخطأ..ولذلك أستغل الفرصة لأفرك أذنيها فركا علميا فكريا...بكل أدب !

ومن الطريف أن حديث معاذ ورد من طريق ابن عباس عند الدارقطني في السنن بلفظ (توحيد الله), لكن فيه سعيد بن مسلمة الأموي وهو ضعيف..ومعاذ الله أن نحتج بحديث ضعيف وإن كان لنا لا علينا كما يقول ابن حزم في محلاه...لكن روى أبو نعيم في المستخرج على صحيح مسلم (1/118/دار الكتب العلمية) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أقر بتوحيد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله) وأصله عند مسلم (رقم 23) بلفظ (من قال لا إله إلا الله) فظهر بهذا أن (التوحيد) هو (لا إله إلا الله).. فلم كل هذا التشويش ؟!

وعلى هذا جرى لسان الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين ..والحمد لله رب العالمين

(التوحيد) في القرآن

وأما القرآن  - والذي نفت الكاتبة أن يكون احتوى على مصطلح (التوحيد) - فقد أفصح عن المصطلح (بسورة) هي سورة الإخلاص...ولذلك  قال جابر كما عند أبي داود في سننه (1909) وهو يصف حَجَّة النبي صلى الله عليه وسلم وصلاته عند مقام إبراهيم ركعتي الطواف: (فقرأ فيهما بـ[التوحيد] و[قل يا أيها الكافرون]) فسمى جابر رضي الله عنه سورة الإخلاص (التوحيد) ..! وهذا أقوى مضمونيا ...

(التوحيد) في اللغة

وأما لغة فـ(توحيد) على وزن (تفعيل) مصدر فعل (وحَّد)..وهو فعل لم تر في استعماله الكاتبة بأسا....بل أقرت بوروده على اللسان النبوي...في حديث معاذ...على الأقل...وهو في التصريف نظير (رتَّل) (ترتيلا) في قوله تعالى (وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) (الفرقان/32)

و(كلَّم) (تكليما) في قوله تعالى (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) (النساء/164)) و(قدَّر) (تقديرا) في قوله تعالى (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) (الفرقان/2) .فلا يحتاج الأمر إلى تكلف بحث وعناء تحقيق ليعرف القارئ أن الكاتبة أساءت اختيار الأنيس!

المقصد الحقيقي!!

لم يكن هدف الكاتبة هدفا لغويا أو تحقيقا مصطلحيا..بل كانت تهدف بنفيها أن تخلص إلى أمر أثقل وأعظم...وهو شرح عنوان مقالها : (لهذه الأسباب نشأ العنف والتطرف عند المسلمين) فإنها قالت:

[وقد نتج عن ذلك تشكيكهم أيضا في صدق قائل عبارة (لا إله إلا الله)، التي أصبحت في نظرهم غير كافية لدخول قائلها في الإسلام، وقسموا التوحيد على هذا الأساس إلى توحيد ألوهية وتوحيد ربوبية، متعمدين ذلك لتصنيف المسلمين إلى مؤمنين وكفار، أو إلى موحدين ومشركين. والحال أن لا إله إلا الله تُجمِل كل معاني الإيمان بالله وحده، وحُرمتها تجعل مال قائلها ودمه حراما وإن قالها كاذبا]

وقد امتلأت هذه الفقرة من مقالها بالأخطاء ..

فزعمت أن أهل الحديث لا يكفيهم النطق بـ(لا إله إلا الله) للدخول في الإسلام...وهذا خطأ من درجة (جبل...!) أو أنه اختلط عليها سبب الدخول في الإسلام وسبب الخروج منه, فأهل الحديث يؤمنون أن النطق بها كاف...في الدخول في الإسلام..لكنهم يؤمنون أيضا أن معارضة مقتضاها مما ينقضها مخرج من الإسلام, ومن ذلك أن يعتقد قائلها أن غير الله يتصرف في الكون ...أو أن غير الله يعطي ويمنع..وهل بعث الأنبياء والرسل إلا للتنبيه على نواقض (لا إله إلا الله) وتنقيتها وتصفيتها من شوائب الإفساد وترسيخ مقتضياتها في قلوب الناس.

وزعمت أن أهل الحديث قصدوا من تقسيم (التوحيد) إلى توحيد ربوبية وإلوهية تصنيف المسلمين...! إلى مؤمنين موحدين وكفار مشركين...وهذا أيضا خطأ ...ربما... لسوء فهم ...وقد يكون لسبب آخر!

فأهل الحديث إنما قسموا التوحيد تقسيما منهجيا...وإلا فالأقسام الثلاثة (الألوهية) و(الربوبية) و(الأسماء والصفات) متلازمة متداخلة... وللمزيد راجع رسالتين شيقتين في الموضوع بعنوان  (المختصر المفيد في بيان دلائل أقسام التوحيد) و(القول السديد في الرد علي من أنكر تقسيم التوحيد) كلاهما لعبد الرزاق بن عبد المحسن البدر.ونصيحتي للكاتبة...أن لا تغامر مرة أخرى...!